samedi 22 septembre 2018

أين المفر؟

غزالة أخذها ما يأخذ الأنثى عند الولادة، فلما أجهدها اختبأت في جانب من الغابة قُبالة نهر. فبينا هي تقاسي آلام الوضع إذْ بأسد عن يمينها يستعد للوثوب إليها، فالتفتت شمالا فإذا بصياد يعد بندقيته ليطلق عليها النار، ثم التفتت خلفها فإذ بالغابة تحترق.
همت بالوثوب نحو الماء لكنها علمت ان قواها لن تساعدها على السباحة، و من ثم فإن الغرق محتم. فلو أنها استطاعت لابتغت نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتي لنفسا بالخلاص.
أطلق الصياد عليها النار. لكنه لم يسسد، فأتت الرصاصة فوقها وأصابت السبع في قلبه فخر ميتا. وكانت آخر رصاصة في جعبة الصياد.
ثم فُتحت السماء بماء منهمر أتى على الحريق. فزال خطر الغرق، لو أنها تجشمت الخَطْو، بزوال الأخطار الثلاثة الأولى.
ولرب نازلةٍ يضيق لها الفــــــــــــــــــــــــــــــتى
 ذَرْعــــــــــــــــــــا و عند الله منها المخْرَجُ
ضاقت فلما استحكمت حلقاتُها
فُرِجَتْ و كان يظنهـــــــــــــــــــا لا تُفْرَجُ
***
دع المقـــــــــــــــــــــــــــاديرَ تجري في أعَنّتها
ولا تبيتنّ إلا خـــــــــــــــــــــــاليَ البــــــــــــــــــالِ 
ما بين غَمضةِ عَين وانتباهتـــــــــــــها
يغيّر الله من حـــــــــــــــــالٍ إلى حـــــــــــالِ
لو أن آدميا لا يحسن السباحة، و يطلبه عدوه المسلح، مكان هذه الغزالة، فما عساه فاعلا؟
إذا انقطعت بالمرء السبل وضاقت عليه الأرض بما رحُبت:
فلا يستسلمنَّ لليأس وليلجأ إلى الله مالكِ الغزالة وحالِها، والصيادِ ورصاصتِه، والليثِ و براثنِه، والنارِ و لهبِها، والنهرِ و عمقِه وموجِه...
فاليأس كبيرة من كبريات الكبائر ومثبط للهم: "إنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ".
وليعلم أن أمر الله أسرع مر رصاصة الصياد، و من كل ما يخطر بالبال من سرعة الزمن الذي كان يقاس من قبلُ بطرفة عين، اي  بنحو الثانية، و هو اليوم يقدر بجزء من مليار جزء من الثانية.
طلب نبي الله سليمان عليه السلام وهو في فلسطين من يحضر له عرش ملكة سبأ من اليمن، فأُتي به في أقل من نحو الثانية.
"قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ".
اللهُ تعالى، و هو القادر على كل شيئ، قادر على أسرع من هذا مما لا تدركه العقول.
و ليدع المضطر ربه موقنا بالإجابة.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يقبل دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ". (أي غافل عن الله لاهٍ عن الطاعة).
وقال عليه الصلاة والسلام: " مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ".
و الدعاء عبادة و تركه معصية لأنه مأموربه، والإجابة مرتبة عليه، موعود بها (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ)
قال الله تعالى: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " 
وقال جل ذكره: :وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ".
و"الدعاء مخ العبادة".
قال ابن العربي "وبالمخ تكون القوة للأعضاء فكذا الدعاء مخ العبادة به تتقوى عبادة العابدين فإنه روح العبادة."
وانتظار الإجابة عبادة أخرى. جاء في سنن الترمذي: " افضل العبادة انتظار الفرج".
قال ابن رجب: "ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر ان الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى وحصل للعبد اليأس من كشفه من جهة المخلوقين تعلق قلبه بالله وحده وهذا هو حقيقة التوكل على الله وهو من الأسباب التي تُطلب بها الحوائج فإن الله يكفي من توكل عليه كما قال جل من قائل : ومن يتوكل على الله فهو حسبه".
وإياي و إياه أن يقول: "دعوت فلم يُستجب لي".
قال رسول الله "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدْعُ بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل". قيل يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال"يقول: قد دعوت و قد دعوت فلم أر يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء".
قلت (للذي يقول: دعوت فلم يستجب لي) : من أدراك أنك لم يستجب لك؟ بلى قد استجيب لك. فإن كنت لم تُعطَ مسألتَك فقد أعطيت خيرا منها والله أعلم بما يصلح لك:
-                 أعطيتَ شيئا أفضل و أنت إليه أحوج
-              أو دُفع عنك شر تهيأت أسبابه ولولا دعاؤك (أن يعطيك الله عَرَضا من الدنيا، مثلا) لحل بك المكروه   من     داء عُضال يصيبك أو يصيب أحد أهلك، أو فسادِ مالٍ، أو موتٍ، أو افتضاح أمر تستره عن غيرك، أو تَغَلُّبِ عدوٍ عليك...
-                 أو أُ نجيتَ من العذاب في الآخرة
-                 أو أُدخلت الجنة ولم تعمل عملها
-                 أو رفعت درجتك في الجنة إلى ما لم تبلغه بعملك، "فإن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء و الأرض".
-                 ...
و أي شيئ في الدنيا بأسرها يعدل واحدة من هذه الخصال؟
قلت: وإياك أن تسأل المخلوق فإنه لا يملك شيئا. قالوا:
        لا تسـألن بـني آدم حـاجــــــــــــــة
         وسل الذي أبوابه لا تحجبُ 
       فالله يغضب إن تركت سـؤاله
       وبني آدم حين يسأل يغضبُ
قال بعض الصالحين: "إني لأستحي من الله أن أسأله الدنيا وهو مالكها فكيف أسأل من لا يملكها".
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله:

"والله لو يئستَ من الخلق حتى لا تريد منهم شيئا لأعطاك مولاك ما تريد".