قد جنى على أمته - وقانا الله و إياه "إِقنْدِي اللِّي يَصْرَقْ لَقْوايَمْ"
قد جنى على أمته
وقانا الله و إياه "إِقنْدِي اللِّي يَصْرَقْ
لَقْوايَمْ"
اطلعت على
مقال لأحد مواطنينا أسهب فيه إسهابا (نحو 30 صفحة) ولم يترك رذيلة إلا أثبتها
لأمتنا الموريتانية ولا يستثني. فتذكرت قول رسوا الله صلى الله عليه وسلم: "
إذا قال الرجل :" هلك الناس فهو أهلكهم". أرجو للكاتب النجاة بأن يكون
أول المذكورَيْنِ في تفسير الإمام مالك للحديث. فقد قال رضي الله عنه:
" إذا
قال ذلك تحزنا لما يرى في الناس - يعني في أمر دينهم - فلا أرى به بأسا وإذا قال
ذلك عجبا بنفسه وتصاغرا للناس فهو المكروه الذي نهى عنه".
وانتقالا
عن مجال النوايا التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى و الرجاءِ الذي لا يحققه إلا
هو سبحانه، ننظر في حقيقة ما قاله الرجل انتصارا للحق.
ولقد رأيت
مَن علقوا على المقال في الموقع الألكتروني ولم أر أحدا ممن استنكر وضع أصبعه على
الجرح بل المستنكر يستنكر ولا يذكر الطامة الكبرى فيه و هي التعميم وادعاء أن ما يذكره من سوء متأصل في الأمة الموريتانية.
نعم: لو أن
صاحب المقال اقتصر على ذكر أنماط السلول الرديئ ولم يعمم لم يتوجه إليه اللوم. ولكنه
جعل الشرور المسطورة بيده:
1.
عامة في أمتنا.
2.
وأنها متأصلة فيها.
أقول: هذا المقال
فيه حق وفيه باطل:
-
أما الحق فهو كون بعض الناس متصفا بما
ذُكر أو بعضِه.
-
و أما الباطل فتعميم تلك الأخلاق
الرذيلة على أمة بأكملها وادعاء أنه متأصل فيها.
وهذا من
غلو بعض من يحملون القلم، تنتقل بهم اليراعة [بالمعنى الحسي لا غيره، أعوذ بالله أن أسيئ إلى أحد] مِن إرادة
الإخبار و البيان إلى شهوة جامحة لا يقضيها إلا المبالغة واستعمال صيغ التفضيل
والتعميم في كل شيئ.
ليست أمتنا
- أمة دولة المرابطين - كما صورها الكاتب. إن كان فيها الجاهل ففيها العالم، و إن
كان فيها الفاجر ففيها البَرُّ التقي، وإن كان فيها المُقتِر ففيها المُوسِع، و إن
كان فيها البخيل ففيها من ينحني له إجلالا حاتم بني طيئ بل يعترف له بأنه قد غلبه
في الكرم¹، وإن كان فيها الطامع ففيها المتعفف سِيماه في وجه من العز لا يسأل
الناس إلحافا ولا في أي حال، و إن كان فيها القُعْدُدُ المتخاذل ففيها الماضي في
سبيل الجهاد، و إن كا
فيها الجبان ففيها الكَمِي، و إن كا فيها من تلقى الغزاة الكفار الفرنسيين على
ركبتيه من الذل باسمَ المُحَيّا ففيها من تلقاهم بعبوسٍ قمطرير ووابل من
الموت لا يبقي ولا يذر.
ولست بهذا
أريد تفضيل قومي على غيرهم، إذ لا يزكي على الله أحد أحدا. فكل هذه الصفات محمدودُها
و مرذولُها كائن في شتى الأمم، مؤمنها و كافرها، برها وفاجرها. و إنما العبرة بما
عم منها وغلب. وتلك أرزاق قسمها اللطيف
الخبير ولم يسوِّ سبحانه بين خلقه في الخير و لا في الشر. فَضَّل سبحانه بعض خلقه
على بعض، فضل بعض النبيين على بعض، وبعض الملائكة على بعض وأخبر عن عدم تساوي
اقوام في الخير و الشر، والأمانة و الخيانة، و الإخلاص في القصد و عدمه. فقال عن
أهل أحد: مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ.
و في أمة محمد صلى الله عليه و سلم في مقابلة غيرها من الأمم: كُنتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم
مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ . و في أهل الكتاب بعد أن أخبر عن ما في بعضهم
من الرذائل: لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ
يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. وعنهم
أيضا قال جل شأنه: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ
يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ
إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا.
و في الأثر
أن رجلا قدم إلى المدينة المنورة من مصر فسأله الناس عن أهلها فأثنى عليهم خيرا.
فقال أحد الحاضرين صدقت، و جاء آخر منها فسأله الناس فقال نقيض ما قال الأول، فقال
ذالك الرجل: صدقت. فاستشكل السامعون تصويبه القولين، و استوضحوا منه فقال: "
كلٌ أخبر بما رأى". نعم: أحد الرجلين لم يلق إلا أهل الخير من أهل مصر و
الآخر لم يلق منهم إلا من قد ذَكر عنهم غيرَ مرضيٍ من الأخلاق. وتصديق الرجل هذا و
ذاك ليس حكما بعموم الخير لأهل مصر الذي قد يفهم من قول أحد القادمين، ولا حكما
بعموم الشر فيهم الذي قد يفهم من قول الثاني؛ و إنما الأمر على نسق ما فصلتُ أعلاه:
أي أن المصريين منهم أهل خير و منهم دون ذالك، و الناس جميعا مثل المصريين في هذا
التفاوت.
وقد أبعد
النُّجعةَ صاحبُ المقال إذ قال دون تردد إن الرذائل التي ذكرها "تدل على طبع
متأصل في نفوس الموريتانيين". وهذا منه غلو في الغلو و ظلم ظالم لأمة تغنى
الزمان بفضلها و علو شأنها – ولو طالبته بالبرهان على دعواه ثم مضى ينقب في
التاريخ – لطال سيره وقُسم ميراثه، وحلت حليلته لغيره: حُكْــمَ المفقود الميؤوس
من عوده.
والأمثلة
التي ضربها والأمور التي بنى عليها تخص ثلة من الناس لا يُحكم بفعلها على الأمة
جمعاء و إلا ساغ له أن يحكم على كل قوم أو لهم بانحراف أفراد منهم أو استقامتهم. ففي مجتمع المدينة
المنورة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه – خير الناس بعد الأنبياء – و كان فيه المنافقون، و القاعدون عن الجهاد في
سيل الله، ومن أقيمت عليهم حدود شرب الخمر و القذف والسرقة و الزنا. فما حكم
الكاتب على مجتمع المدينة المنورة هذا و فيه خيرة الناس وهم الأكثرون عددا؟ أفيحكم
عليه بما استوجبته تلك القلة القلية؟ لا يسعه ذالك.
و كان في مجتمع
فرعون الغريق أكثرية ضالة تسجد له من دون الله، و في هذا المجتمع نبيا الله موسى و
هارون عليهما السلام، وقلة مؤمنة منها آسية امرأة الطاغية و المؤمنُ الذي أخبر
موسى عليه السلام أن الملأ يأتمرون به ليقتلوه. فهل لصاحب المقال أن يثني على قوم فرعون و يحكم لهم
بالتوحيد لأن فيهم تلك القلة القليلة من الصالحين؟ لا يسعه ذالك أيضا. وأمثال هذا
التباين قديما وحديثا لا تحصى و أشهر مِن أن يُحتاج إلى سردها.
و العبرة
عند العقلاء والمشرعين بالعموم والغلبة لا بالشذوذ و الندرة. و هل نزل العذاب على
أقوام نوح وهود وصالح ولوط ... إلا لغلبة الشر فيهم. فلو كان الشر شأن قلة منهم ما
هلكوا.
و نحن:
الخيرُ فينا هو الغالب و لله الحمد. والتاريخ البعيد و القريب على ذالك شاهد. ولا
يقولن قائل: كنا و لم نعد كما كنا. إذ نقول كنا و ما زلنا: طائفة من الأطهار قدوة
للأنام و آخرون يعملون عملا دون ذالك. والطرفان كلاهما في تذبذب نقصانا و زيادة
حسب توفيق الله تعالى لأقوام وخذلانه لآخرين، والسبيل بينهما سالك على الدوام: بعض هؤلاء يَسْمون إلى ذرى العلياء
و بعض أولائك يهبط إلى الدركات، يضل من كان على هدى ويهتدي من كان على ضلالة. ولكن
الخير يظل غالبا.
و عَوْدا
إلى بدء أقول: لو أن صاحب المقال اقتصر
على ذكر أنماط السلول الرديئ ولم يعمم لم يتوجه إليه اللوم. فالنقد إنكارا للمنكر
وتحذيرا من عواقب الرذيلة و نصحا للناس وطلبا للإنابة و التصحيح مطلوبٌ شرعا وعقلا
وهو سبيل المصلحين في كل زمان، مرسلين من الله كانوا أم كان باعثهم مجرد طيب النفس
و استقامة الفِطر.
1. ليس هذا من باب المبالغة بل هو الحقيقة بعينها
و سأبين ذالك في مقال لاحق إن شاء الله تعالى.

0 Comments:
Enregistrer un commentaire
<< Home